|
|
|
الفراعنة
الأمازيغ
(الجزء الأول)
بقلم: سعيد
بودبوز
في أواخر النصف الأول من القرن العاشر قبل
الميلاد، استولى الأمازيغ على أرض النيل وجلس قائدهم "شيشنق الأول" على عرش مصر،
ولقد تمكنوا من تأسيس أسر فرعونية أمازيغية هناك وهما الأسرتان الثانية والثالثة
والعشرون بالتحديد كما يرجح أن تكون الأسرة السادسة والعشرون أيضا أسرة أمازيغية.
من خلال هذه الورقة أود أن أتحدث بإيجاز عن
بعض الحيثيات والظروف التي اكتنفت سيطرتهم على مصر. وقد أتوسع في الموضوع مستقبلا
من خلال تسليط الضوء على الدور الذي لعبه الفراعنة الأمازيغ في مصر واحدا تلوالآخر.
من المعلوم، لدى المؤرخين، أن أول فرعون أمازيغي حكم مصر، من هذه الأسر، كان اسمه
"شيشنق الأول". وفي بعض الكتابات "شيشنوق" أو "شاشانق" أو"ششنق"، والذي يطلق عليه
الإغريق"سيسونخس". استولى على عرش مصر سنة 950 ق.م واستمرت فترة حكمه لمدة 21 سنة.
بعد شيشنق الأول حكم "أوسركون الأول" أو "أسرثون"، كما يسميه الإغريق، لمدة 15 سنة
ابتداء من سنة 929 ق.م إلى سنة 893 ق.م حيث تولى العرش المصري، من بعده، "تاكيلوت
الأول" أو "تاكلوتس الأول" الذي استمر عهده لمدة 29 سنة، أي ما بين 893 ق.م. و 870
ق.م. ثم حكم "أسركون الثاني" بعده لمدة 13 سنة، أي ابتداء من سنة 870 ق.م. إلى سنة
849 ق.م. بعد "أوسركون الثاني" آل العرش المصري إلى "تاكيلوت الثاني" الذي حكم في
الفترة ما بين 847 ق.م. و832 ق.م. ثم تولى العرش بعده "سيسونخس" أو "شيشنق الثالث"
ابتداء من سنة 832 ق.م إلى سنة 772 ق.م. بعد "شيشنق الثالث" آل العرش المصري إلى
"بامي" ابتداء من هذه السنة إلى سنة 767 ق.م. بهذا نكون قد انتهينا من ملوك الأسرة
الثانية والعشرين. على أن الأسرة الثالثة والعشرين كانت أمازيغية هي الأخرى كما
قلت، وأول فرعون حكم مصر، من هذه الأسرة، هو "ابتوباس" أو "بادوباست" الذي استمر
عهده لمدة 40 سنة ابتداء من717 ق.م إلى سنة757 ق.م. بعد "بادوباست" حكم "أوسرخو" أو
"أوسركون الثالث" لما يناهز 8 سنوات، ابتداء من 757 ق.م إلى سنة 748 ق.م. ثم تولى
الحكم بعده "بساموس" أو "تاكيلوت الثالث" لما يناهز 8 سنوات ابتداء من 748 ق.م إلى
سنة 740 ق.م. وبعد "تاكيلوت الثالث" تولى الحكم "زت" أو "زود آمون" لمدة 31 سنة.
وتجدر الإشارة إلى أن الأسرة السادسة والعشرين، كما أسلفت، يرجح أن تكون أمازيغية
هي الأخرى [1] وإن صح أن تكون كذلك فإن الفراعنة الذين ينتمون إلى هذه الأسرة هم:
"بسماتيك الأول"، "نخاو الأول"، "بسماتيك الثاني"، "نخاتو الثاني"، "واج اب رع"،
"احمس الثاني" و"عنخ كا ان رع". وتمتد فترة حكمهم ما بين سنة 680 ق.م. و سنة 540
ق.م.
بالنسبة إلى تحديد فترة هذه الأسر وتسلسلها
الزمني اعتمدت على ما جاء به المؤرخ المصري "مانيتون"[2] وذلك لما لامسته فيه من
الدقة والتطابق مع ما توصلت إليه بعض الأبحاث العلمية مؤخرا، فمن المعلوم أن
مانيتون هو الذي وضع قوائم الملوك الفراعنة، بطلب من أحد الحكام البطالمة، وهي
القوائم التي يقول في شأنها الدكتور سيد كريم: "لقد ثبت أن النتائج التي يقدمها
نظير الكربون 14 من الدقة بحيث لا يزيد عن 50 سنة في الخمسة ألاف سنة الأولى ويصل
إلى ما لا يزيد على 120 سنة في العشرة ألاف. إن ذلك الخطأ الزمني في تاريخ مصر
سيعيد إلى المؤرخ المصري مانيتون اعتباره، فهو الذي كتب التاريخ الزمني لمصر ابتداء
مما أطلق عليه بدء الخليقة وحكم الكهنة المبجلين من عام 16500 ق.م إلى نهاية حكم
الفراعنة وحدد فيه بداية الأسرات عام 5619 ق.م بدلا من عام 3200 ق.م الذي حدده
المؤرخون الأجانب"[3]
اختلف المؤرخون حول الوسيلة التي استخدمها
الأمازيغ للسيطرة على مصر، إذ نجد البعض يميل إلى القول بأنهم دخلوها بالقوة، بينما
يقول البعض الآخر بأن ذلك قد تم بالسلم، على أن ما يصعب نفيه هو تلك السلسلة من
الهجمات الأمازيغية التي كان يتعرض لها العرش المصري منذ بداية الحضارة الفرعونية،
والتي استطاع الفرعون المصري رمسيس الثاني أن يتصدى لها بحزم إذ سجل صرامة حقيقية
ضد الأمازيغ، وكان شديد البأس أمام كل من تسول له نفسه أن يقترب من أرض النيل. ومن
المعلوم أن تلك الهجمات الأمازيغية، التي كانت قبل وبعد رمسيس الثاني، تشن على مصر
نراها قد انتهت بعد أن أصبح الأمازيغ حكاما لأرض النيل قيادة وجيشا. وهذا يجعلنا
نفترض علاقة منطقية بين الحكم، حتى وإن تم بالسلم نوعا ما، وتلك الهجمات الشرسة.
وهو ما يقودنا إلى الاستنتاج بأن السيطرة الأمازيغية على العرش المصري حدثت نتيجة
الغزو العسكري حتى وإن حدث نوع من التراضي على مستوى التفاصيل كما سنرى لاحقا.
لنلاحظ بأن شاشانق كان رئيسا على الجالية
الحربية الليبية (الأمازيغية) في مصر، وفي نفس الوقت كان يعيش في سلام مع كل من
السلطة الفرعونية والكهنوتية، وهذا يعني أن الأمازيغ كانوا، في هذه المرحلة، قد
وصلوا إلى ما كانوا يتطلعون إليه من خلال تلك الحروب التي تحدث عنها المؤرخون وتحدث
عنها الدكتور مصطفى كمال عبد العليم ابتدءا من الصفحة 20 إلى الصفحة 32 من كتابه
"دراسات في تاريخ ليبيا القديم". والتي تلقى فيها الأمازيغ ما أشبعهم من التصدي
والهزائم على أيدي المصريين، كما كانوا ينتصرون أيضا وهكذا طوال التاريخ القديم
للبلدين. نستشف من خلال مقارنتنا لما سلفت الإشارات إليه، من أقوال المؤرخين، إلى
أن الأمازيغ، الذين كانوا يهاجمون مصر، لم يكن الاستيلاء على السلطة يشكل هدفهم
الرئيسي، وإنما كانت الغاية أن يكون لهم ما يكفي من النفوذ في أرض النيل، وربما هذا
ما يفسر حديث المؤرخين عن كون اعتلاء العرش كان بالسلم، وفي نفس الوقت كانت تلك
الغارات قد انتهت. إن ما يبدو واضحا من كلام الدكتور مصطفى كمال هو أنه كان هناك
نوع من توازن القوى، في مصر، بين القائد شيشنق والفرعون المصري، لأن اكتفاءنا
بالحديث عن كون شيشنق كان يقدم خدمات عسكرية للفرعون مقابل ما يجود به الفرعون
عليه، من الهبات الأرضية وغير ذلك، لا يكفي لنلامس الذي حدث. فعلى سبيل المثال نجد
أن شيشنق وجنوده كانوا يتمتعون بنوع من الاستقلال عن السلطة الفرعونية رغم كونهم
داخل الأراضي المصرية، وهذا قد يتناقض مع مبدأ السيادة الفرعونية من جهة، ومن جهة
أخرى نجد أن الهجمات الغربية، كما قلنا، توقفت بعد أن أصبح شيشنق وأتباعه داخل مصر.
حتى وإن قبلنا بأنهم تسللوا أو ذهبوا في نزهة أو ما شابه فسيكون علينا ألا ننسى هذه
الأمور. ثم إن الخوض في شؤون الكهنة لم يكن بالأمر السهل فلا بد أن شيشنق كان قد
خطط لهذا المشروع بجدية عالية قصد الحصول على أهلية التدخل في شؤون الدين والسياسة
معا كما رأينا. إذن فلو تحدثنا عن التراضي والسلم المطلقين وافترضنا بأنهما كانا
أساسيين في الاستيلاء على العرش المصري فسيبقى أمامنا أن نجيب عن مصير تلك الهجمات
وكيف لم يخش الفرعون من شيشنق مثلا أن ينقلب عليه ما دامت الحروب لم تتوقف بين
البلدين منذ قرون. وفي نفس الوقت لو افترضنا بأن الأمازيغ قد استولوا على العرش
المصري بالقوة العسكرية المطلقة فسيكون علينا أن نجيب على الهدوء الذي اكتنف لحظة
اعتلاء العرش وما يتعلق بزواج أسركون الأول من الأميرة الخ. إن هذه النقطة تقربنا
من فهم ما يبدو تناقضا بين الاجتياحات العسكرية التي لم يتوقف الأمازيغ عنها ضد مصر
وبين ما نراه من السلم والهدوء أثناء استلامهم السلطة. يقول الدكتور مصطفى كمال عن
الفرعون بتانيس: "وأرسل ترضية للشاكي تمثالا على صورة ابنه ليوضع في معبد أوزيريس
في أبيدوس. وهذا الحادث يوضح مدى قوة شاشانق وأسرته وأنهم اعتنقوا ديانة المصريين
حتى أن شاشانق خضع لقرارات وحي آمون كما فعل أي مصري." [15]. على كل حال يبدو أن
النفوذ الأمازيغي داخل مصر كان قائما منذ زمن طويل جدا حتى وإن اشتد أكثر، في
الآونة الأخيرة، وحتى وإن جنح للسلم والهدوء. يقول مصطفى كمال: "وقد سبق أن ذكرنا
أن (وني) قائد الجيش في عهد الملك بيبي الأول قد ذكر أن جيشه كان يضم فرقة مرتزقة
من التمحو.[16]. وأذكر القارئ بأن التمحو هم الأمازيغ الذين كانوا يهاجمون مصر
وذكرتهم الآثار المصرية بهذا الاسم كما سماهم غير المصريين به أيضا. يواصل مصطفى
كمال قائلا: "وقد يفسر ذلك بأن التمحو عرفوا طريقهم إلى الاستقرار في مصر بعيدا عن
جو المناوشات والإغارات منذ وقت مبكر. ونضيف إلى ذلك أن حاكم القوصية في عهد
أمنمحات الأول وكان اسمه (سبنى) قد صور وهو في طريقه إلى الصيد وخلفه تابعه يحمل
أسلحته وكلاهما كان يلبس قراب العورة. ويلاحظ أيضا أن سبنى كان يلبس على صدره
شريطين متقاطعين وأن تابعه يتحلى بريشة مثبتة في رأسه. فإذا سلمنا بأن هذا الحاكم
من أصل ليبي فإنه من المرجح أن تكون أسرته قد دخلت مصر في العهد الإقطاعي الأول"
[17]. ولعل من الجدير أن أشير، في هذه النقطة، إلى أن هناك احتمالا قويا بأن يكون
الفراعنة القدماء من أصل أمازيغي، ربما استقروا على ضفاف النيل ودخلوا في حياة
الزراعة هناك، إلا أن هذا الموضوع ما زال يحتاج إلى كثير من البحث والتمحيص كما أنه
ليس موضعي هنا الآن. إن ما يمكن أن نتوصل إليه، من خلال مراجعتنا لما يقوله
المؤرخون عن الاحتكاك الذي كان قائما بين البلدين؛ الأمازيغي والمصري، هو أن الحرب
التي كانت مشتعلة بين الطرفين قد مهدت الطريق فعلا، أمام الأمازيغ، للدخول إلى مصر
حتى وإن لم تفض بشكل مباشر إلى استلام السلطة في بداية الأمر. يبدو أن الأمازيغ
دخلوا مصر على عدة جبهات، منهم من كان مرتزقا لدى الفراعنة ومنهم من تسلل بطريقة
مدنية ومنهم من فرض نفسه بالقوة حتى وإن لم يثقل على السلطة بحيث يجعلها أمام
خيارين لا ثالث لهما؛ إما التنحي عن العرش المصري وإما الحرب، لهذا نجد أن النفوذ
الأمازيغي، العسكري والمدني معا، كان قائما في مصر وفي نفس الوقت كان هناك هدوء
وتعايش سلميان. وربما أدى هذا إلى ترسيخ صورة شيشنق بشكل أكثر إيجابية في نفوس
المصريين. وما لا شك فيه أن نفوذ شيشنق في مصر قد فتح الباب، أمام الأمازيغ، للدخول
إلى مصر مما حد من الهجمات الغربية التي كان يتلقاها العرش المصري.
******* (يتبع في العدد القادم)
|
|